أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

80

العقد الفريد

أخبار عليّ ومعاوية كتب علي بن أبي طالب إلى جرير بن عبد اللّه ، وكان وجّهه إلى معاوية في أخذ بيعته ؛ فأقام عنده ثلاثة أشهر يماطله بالبيعة ، فكتب إليه عليّ : سلام عليك ؛ فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل ، وخيّره بين حرب مجلية أو سلم مخزية ، فإن اختار الحرب فانبذ إليهم على سواء إنّ اللّه لا يحبّ الخائنين ، وإن اختار السّلم فخذ بيعته وأقبل إليّ . وكتب عليّ إلى معاوية بعد وقعة الجمل : سلام عليك ؛ أمّا بعد ، فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام ؛ لأنه بايعني [ القوم ] الذين بايعوا أبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، على ما بويعوا عليه ؛ فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يردّ ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإذا اجتمعوا على رجل وسمّوه إماما كان ذلك للّه رضا ، وإن خرج عن أمرهم خارج ردّوه إلى ما خرج عنه ، فإن أبي قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين ، وولاه اللّه ما تولّى ، وأصلاه جهنّم وساءت مصيرا . وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتهما ، وكان نقضهما كردّتهما فجاهدتهما بعد ما أعذرت إليهما ، حتى جاء الحقّ وظهر أمر اللّه وهم كارهون ؛ فادخل فيما دخل فيه المسلمون ؛ فإن أحب الأمور إليّ قبولك العافية . وقد أكثرت في قتلة عثمان ، فإن أنت رجعت عن رأيك وخلافك ودخلت فيما دخل فيه المسلمون ، ثم حاكمت القوم إليّ ، حملتك وإياهم على كتاب اللّه ؛ وأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن . ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك ، لتجدنّني أبرأ قريش من دم عثمان . واعلم أنك من الطلقاء « 1 » الذين لا تحل لهم الخلافة ، ولا يدخلون في الشورى ؛ وقد بعثت إليك وإلي من قبلك جرير بن عبد اللّه ، وهو من أهل الإيمان والهجرة ؛ فبايعه ، ولا قوة إلا باللّه .

--> ( 1 ) الطلقاء : الذين خلي عنهم يوم فتح مكة وأطلقوا ولم يسترقوا .